سيد محمد طنطاوي
214
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - الأسباب التي جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس فقال : * ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ) * . والمعروف : هو كل قول أو عمل حسنه الشرع ، وأيدته العقول السليمة ، والمنكر بعكسه . والمعنى : وجدتم خير أمة أخرجت للناس ، لأنكم تأمرون بالمعروف أي بالقول أو الفعل الجميل المستحسن في الشرائع والعقول . * ( وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * أي كل قول أو فعل قبيح تستنكره الشرائع ويأباه أهل الإيمان القويم ، والعقل السليم . و * ( تُؤْمِنُونَ ) * باللَّه أي تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه ، وتخلصون له العبادة والخضوع ، وتطيعونه في كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على لسان رسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فأنت ترى أن الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق أصلين أساسيين : أولهما : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما سياج الدين ، ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما ، فهما من الأسباب التي استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما ، فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد اللَّه بن مسعود قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض ثم قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ . كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ثم قال : « كلا واللَّه لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا - ولتحملنه على اتباع الحق حملا - أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ، ثم ليلعنكم كما لعنهم » . وثانيهما : الإيمان باللَّه - تعالى - وبجميع ما أمره اللَّه - تعالى - بالإيمان به . هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لأن الأمة التي تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا تؤمن باللَّه لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف بالخيرية قط ، لأنه لا خير إلا في الفضائل والحق والعدل ، ولا تقوم هذه الأمور إلا مع وجود الإيمان باللَّه وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر ، ويكون لدعوتهم آثارها القوية التي تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل .